أقلام و آراءالخليل

مملكة الحمير

بقلم الدكتور رائد يحيى الجعبري

تربَّعَ الأسدُ فِلسَفون ملكُ الغابة على تلكَ الصخرة الشامخة المُطلةُ على مملكتهِ وبسطَ ذراعيهِ أمامه وأخذَ ينظُرُ إلى الحيوانات المُنشغلة بأعمالها وشُؤونها، فلاحظَ حِماراً نشيطاً يعملُ بنشاطٍ وحيويةٍ ويُساعدُ مَنْ حوله برفعِ أثقالهم أو نقلِ أحمالهم فأُعجبَ الأسدُ الملكَ بهِمتهِ ونشاطهِ واستدعاهُ إلى صخرتهِ. حضَرَ الحمارُ وحاولَ الصُعود إلى الصخرةِ فلم تُساعدهُ حوافره على الصُعودِ ففي كُلِّ مرةٍ كان يُحاولُ الصُعود كان ينزلقُ ويسقُط على الأرض حتى أُوتِيَ بثلاثةِ ثيرانٍ ودفعوهُ إلى أعلى الصخرة. وقفَ الحمارُ صاغراً أمامَ الأسد مُرتجفاً من هيبتهِ، ومُرتعباً من رهبة الصخرةِ وعلوِّها، فتدللت أُذُناه وضَمَرَ ذيلهُ وغَشِيَ بَصره. قالَ الأسدُ الملك! إني أيُها الحمارُ لأراكَ صاحبَ هِمَّةٍ لا تستريح، ونشاطٍ لا يكِل، وإنّي لجاعِلُكَ بينَ رعيتي سيداً ولأُمكننكَ فيهم لتحمِلَ عني من هُمومهم وتُسيِّرَ باسمي أحوالهم وشُؤونهم وإني رافِعُكَ إليَّ لتكونَ حولي وعوني.
 
ذُهلَ الحمارُ من رأيِ الأسدِ فيه، فَقَدَ ما في رأسهِ من عقلٍ تبقَّى من لسعاتِ الدهرِ فهاج فرحاً وأصابتهُ نوبةَ نهيقٍ ورفسٍ وقفز بين الحيواناتِ يترافَسُ وينهقُ أنا السلطان أنا السلطان! خشِيَتْ النمورُ والثعالبُ والذئابُ من أن يُصيبها من رفس الحمارِ شراً فابتعدت عنه ،ولكنَّ الحمير اجتمعت حوله وأخذت تُرافسُ كرفسهِ وتُناهقُ كنهيقهِ فرحينَ بما حظِيَ به حمارهم النشيط.
 
حضرَ الحِمارُ إلى صخرةِ الأسدِ الملك مُعتزاً بحمرنته مُتباهياً بطولِ ذنبهِ ووقفَ أمام الملك. قال: يا أيُّها الملك! إنكَ يا صاحِبَ نعمتي أوكلتَ لي عملاً شاقاً وأمانةً ثمينةً وإني واللهِ لأخشى على نفسي أن أُقصِّرَ في حملِ أمانتكِ أو لا أرعى رعيَّتُكَ بما يليقُ بجلالِ كَرمِك فهل تأذن لي أنْ أُمكِّنَ معي حمارينِ يكونانِ لي عوناً على خدمتكَ وتخفيفاً على رعيَّتكِ؟ فقال الأسدُ لكَ ذاكَ أيها الحمار.
 
اجتمعَ الحميرُ تحتَ شجرة الجوزِ يتشاورونَ في صُنعِ مسالكِ وخططٍ يُنفذونها لتحسين حياة الحيوانات وصياغة قوانينَ تَحمي حُقوقهم وتضمن مُساواتهم. مرَّ فأرٌ من أمامِ الحميرِ فأفسد منظرهُ خلوَتهم ونظروا من حولهم فإذا بالحيوانات تنظُرُ إليهم مُستنكرةً اجتماعهم فقرروا أن يبنوا كوخاً ضخماً إذا اجتمعوا فيه لا يراهم حاسداً ولا يمُرَّ من أمامهم صاغِراً يُفسدُ عليهم تلاقيهم ويُشتِّتُ أفكارهم. جمعَ الحميرُ كل الحيواناتِ وألقوا عليهم قرار بناء الكوخ وتلوا عليهم باسم الأسد الملك أنواع الحيوانات التي ستعمل في البناء فأما من لم يُذكر نوعه فعليه المساهمة بأن يتبرع بثلث طعامه للمساهمة في تكاليف البناء. مرَّت شُهورٌ ومضت سنواتٌ والحيواناتُ مُنهمكةٌ في بناء الكوخِ وزخرفته ولما انتهى العمل دُعيَ الأسدُ إلى الكوخ فجلسَ على جذعِ شجرةٍ من بقايا البناء، نهَّقَ الحمارُ وقال: أيُّها الملك، إنَّ مقامكَ رفيع ومقام الحيوانات وضيع، فإن جلستَ كما يجلسُ الحيوانات فقد ساويتَ بينكَ وبينهم، فأذن لنا معشر الحمير أن نبني لك سرحاً نضع لكَ فيه عرشاً يليقُ بكَ وبجلالك ويرفعُ مقامك فأنتَ الملك ولا أحدَ بسمُوَّك ونبني لنا مجالساً إذا جلسنا فيها تُزيدكَ هيبةً ورهبةً فيخافك الحيوانات أكثر. أمرَ الأسدُ فِلسفون الحِمارَ جَحشون ببناءِ العرشِ فبناهُ في قصرٍ ذي حصنٍ شديد في مكانٍ بعيد ووضع له أبواباً من حديد، واتَّخذَ حُراساً أشِدَّاءَ عليه. جاؤوا بالأسدِ الملكَ وتوَّجهُ الحميرُ على عرشهِ وقالوا أنتَ فينا العظيم وإنا نحنُ لكَ الموالون وإننا على خدمتكَ قادرون وعلى رعيتكَ حريصون فابق هُنا وكُلٌ لك مُطيعون.
 
انشغلَ الأسدُ الملكُ في قصرهِ وغفِل بملذاتهِ عن مُلكه فسادت الحميرُ بين الحيوانات وأصبحَ الحِمارُ عزيزاً مُعززاً ورأيهُ بين الحيواناتِ راجحاً وإن مرَّ من بينهم قاموا له مُبجلينَ وحيّوهُ سلاماً سلاماً فأنتم معشرَ الحمير قوماً مُبجلين. اختال الحميرُ بأنفسهم وأعجبتهم منازلهم فانقلبوا على أسدهم وخانوه بأن تآمروا عليه بحلفٍ مع البغالِ والثيران وحشروهُ في قصرهِ بين الجُدران ومكَّنوا عليه السجان ولم يعد يذكرهُ في الغابةِ لسان.
 
إجتمعَت الحميرُ في الكوخِ وقالَ كبيرهم إنَّ الحميرَ من أهلِ الوفاء، وليسَ كذكائهم ذكاء، فلنُعلن لبعضنا الولاء، ونكوننَّ بين الحيواناتِ أُمراءٌ ووزراء، ونأخذُ المالَ ونكونُ نحنُ الأغنياء، ولنعلم أنَّ من لم يكُن حماراً فهو من الأعداء، وإنّي واضعٌ قوانينَ فالزموها على الأحياء، فمن أنكرَ أو استاء، فقد أحجبَ عن الولاء، وليكن مصيرهُ الأسرَ أو النفي إلى الصحراء.
 
عيَّنَ الحمارُ جحشون سلاطينَ من الحميرِ يتولَّى كُل سلطانٍ أمراً من أمورِ الغابةَ. جاءَ سُلطان العلمِ وقال إنَّ عُلومكم فاسدةٌ وإني واضعٌ لكم ما يُفيدكم، تعلموا من الحمارِ الصبرَ ولا تشتكوا فإن الشكوى لغير الله مذلةٌ، إن اللهَ كرَّمَ الحميرَ بأصواتٍ تصدحُ في كُل زمانٍ ومكان فلو كان العقلُ أجمل لما أنعم اللهُ عليهم بأصواتهم فكونوا أصواتاً ولا تكونوا عُقلاء فهذا أخفُّ لكم في الحياة. جاءَ سُلطان العمل وقال: ويلكم لمَ تكدون وتجتهدون من أجل بطونكم وقد خلق الله لكم العُشبَ حلالاً طيباً فكُلوا منهُ ما طابَ لكم وحرامٌ عليكم اللحمَ فهو أذىً لكم، وأنتم أيها الجوارح والمفترسة تعشبوا ومن لم يتعشب فعليه لعنة جحشون. أما سلطان المذاهِبَ فقال: لقد أمركم أسلافي بالحشمة في الصوفِ والريشِ فتكشفوا، وأمروكم بالتعبُّدِ فتحرروا، وأمروكم بالعفَّة فلا حرجٌ عندي ببعضٍ من المُجون وسيحوا في الأرضِ كما تشاؤون. خرجَ سُلطان الحاجة وقال لأهلها، ادفعوا بالتي هي أحسن فلعل الذي بينه وبين الحاجةِ عُسرٌ قضيتها له بما دفع وإني واللهِ لا أبتغي لكم إلا اليُسرَ في أحوالكم. وأما سُلطان الخزائنَ لم يهجع أعوانه في ليلٍ أو نهار يجمعونَ الأرزاق ويحصدون المحاصيل ولكنها لم تكن تدخل خزائنهم يوماً فكانوا يأكُلونها من شِدَّةِ جوعهم إذ كانوا يتعبون.
 
خرجَ الملكُ الأسدَ يوماً إلى شرفته يتفقدُ العصافيرَ فقد غابت تغاريدها ولم تعُد تُطربهُ أصواتها فرأى هُدهُداً على غُصنٍ مُنيف، فقال الملك: أُدنُ مني أيُها الطائر الجميل! فقال الهُدهُدُ ما أنا بنازلٍ إني أخافُ الحميرَ على نفسي فإن أمسكنَ بي سينتفون ريشي. قالَ الملكُ ويحكَ أيها الأحمق! أوترمي عُمالي بالقسوة؟ اذهب إلى الغابةِ وتنعم بما فيها من رخاءٍ وسخاء، ورفرف فوقها بجناحيكَ بأمان! تنهَّدَ الهُدهُدُ أسِفاً وقال: إني لا أُشفقُ إلا عليك فأنت الغائبُ في أسرِك لا تملكُ حُرِّيتكَ وأنت الملك. ضحكَ الأسدُ وقال: فما حالُ رعيتي أيُّها اللعين؟ رفرف الهُدهُدَ إلى غُصنٍ في أعلى الشجرةِ وقبضَ عليهِ وهو حزينٌ وقال: إن النبيلَ فيها ذليل والذليل مَكين، والعدلُ غائبٌ والظُلمُ متين، الجاهلُ فيها فَرِحٌ والعالِمُ حزين، الخائِنُ عندهم مُتمكنٌ والأمينُ خائن، الكاذبُ مُصدقٌ والصادقُ بينهم مَهين، الفسادُ سائدٌ والنُبلُ مُستكين، والأمنُ معدومٌ والخوفُ يسكُنُ قُلوبَ المساكين، ولمَ يبق فيها صالحٌ يقوى على المسير إلا ورحل إلى مكانٍ حصين. صاحَ الأسدُ أن أخرجوني من قصري! ويحي إن باتَت عينٌ في مُلكي تبكي. فناداهُ حمارٌ من خلفِ الحائطِ أن أنتَ يا ملكُ في القصر سجين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى